ابن العربي

959

أحكام القرآن

وأنّ الدار الآخرة هي المصير ، وأنّ هذه الدار الدانية قنطرة إلى الأخرى ، وباب إلى السوأى أو الحسنى عمل لها ، وقدّم ما يجده فيها ؛ فإن شكّ فيها أو تكاسل عنها وآثر عليها - بخل بماله ، واستعدّ لآماله ، وغفل عن مآله . وفي كتب الذكر تحقيق ذلك . المسألة الرابعة - قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ : واختلف العلماء في المعنى الذي أفادت هذه اللام ؛ [ فقيل : ] « 1 » لام الأجل « 2 » ؛ كقولك : هذا السّرج للدابة ، والباب للدار ؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة . ومنهم من قال : إنّ هذه لام التمليك ؛ كقولك : هذا المال لزيد ؛ وبه قال الشافعي . واتفقوا على أنه لا يعطى جميعها للعاملين عليها . واعتمد أصحاب الشافعي على أنّ اللّه أضاف الصدقة بلام التمليك إلى مستحقّ حتى يصحّ منه الملك على وجه التشريك ؛ فكان ذلك بيانا للمستحقين . وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين ، أو لقوم معينين . وتعلّق علماؤنا بقوله تعالى « 3 » : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ . . . الآية . والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها على فقرائكم . وهذا نصّ في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنّة . وحقّق علماؤنا المعنى ، فقالوا : إن المستحقّ هو اللّه تعالى ، ولكنه أحال بحقه لمن ضمن لهم رزقهم بقوله « 4 » : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ؛ فكان كما لو قال زيد لعمرو : إنّ لي حقا على خالد يماثل حقّك يا عمرو أو يخالفه ، فخذه منه مكان حقّك ؛ فإنه يكون بيانا لمصرف حقّ المستحق لا للمستحق ، والصنف الواحد في جهة المصرف والمحلية كالأصناف الثمانية . فإن قيل : هذا يبطل بالكافر ؛ فإنه مضمون له الرزق بذلك الوعد الحق ، ثم ليس بمصرف للزكاة . قلنا : كذلك كنّا نقول : إنه تصرف الزكاة إلى الذمّى ، إلا أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) زيادة يقتضيها الكلام . ( 2 ) في ل : المحل . ( 3 ) سورة البقرة ، آية 271 . ( 4 ) سورة هود ، آية 6